عناوين الأخبار

(الملك عبدالعزيز ومواجهة التيار)

الأحد 24 ذو الحجة 1437هـ 25-9-2016م       -       02:46:57 ص
(الملك عبدالعزيز ومواجهة التيار)

د. عبدالله بن عبدالرحمن الخرعان

كما أن في البحار تيارات جارفة من الخطورة بمكان السباحة باتجاه معاكس لها، كذلك فإن بحر الحياة الذي يموج بالبشر فيه تيارات عاصفة في مختلف الاتجاهات في الأفكار والمعتقدات، وتيارات في العادات والسلوكيات، وتيارات في السياسات وسير الأحداث، ومن الصعوبة السير في اتجاه مخالف لتلك التيارات، والنوادر من البشر هم الذين تكون لهم عزيمة قوية في مواجهة تلك التيارات وتوجيهها للوجهة التي يريدون. وقد تكون قوة التيار تسير في اتجاه خاطئ فيحاول بعض المعنيين مواجهة هذا التيار وتحويل مساره للوجهة الصحيحة، ومن هذا القبيل كان الأنبياء عليهم السلام فقد بعثوا إلى أقوامهم بعدما وصل تيارا لانحراف فيهم مدى بعيدا ليواجهوا هذا التيار بقوة الحق وعزيمة الرسالة، وعلى خطى الأنبياء سار المصلحون والمجددون. وفي المقابل قد تكون قوةة التيار متجهة نحو الوجهة الصحيحة ولكن يوجد من يتبنى وجهة مخالفة فيسر مخالفا للتيار ويسعى لتحويل مساره للوجهة التي يريد، ومن هذا القبيل كان المفسدون في الأرض أعداء الرسل وأعوان الشر، وإن ادعوا أنهم يريدون الإصلاح كما قال تعالى عن المنافقين (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ).

من هذه المقدمة أنطلق لأقول إن الملك عبد العزيز رحمه الله في ظروف تأسيس هذا الوطن الكبيرسار باتجاه معاكس للتيارات التي كانت تعصف بواقع العالم الإسلامي وتسير به نحو وجهة منحرفة مؤلمة، فسياسيا كان الملك عبدالعزيز رحمه الله يسير باتجاه مخالف لتيار تفكيك العالم العربي الجارف بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ففي الوقت الذي احتلت فيه إطاليا ليبيا عام (1329هـ / 1911م) والوقت الذي عقدت فيه معاهدة ( سايكس بيكو) عام ( 1334هـ 1916م) لتقسيم المشرق العربي بين الدول الاستعمارية، في هذا الوقت كان الملك عبدالعزيز رحمه الله يسير معاكسا تيار التقسيم ليقوم بعزيمته الفذة وتأييد من شعبه الأبي بتوحيد معظم أنحاء الجزير العربية في هذا الوطن المبارك تحت اسم( المملكة العربية السعودية) على الرغم من محاولات بعض الدول الاستعمارية أبقاء التمزق السياسي في الجزيرة العربية. وفي جانب آخر مهم وهو جانب الهوية الدينية والثقافية عاكس الملك عبدالعزيز التيار الجارف الذي كان يجتاح العالم العربي والإسلامي حيث صاحب الاستعمار حملات ممنهجة لطمس ثقافة أهل البلاد وهويتهم لتسود محلها الثقافة والهوية الغربية ، فوضعت الدساتير الوضعية لتحل محل الحكم بالشريعة الإسلامية، وغرِّب التعليم إجبارا لفرض لغة المستعمر وثقافته، وفرض على الناس السفور والاختلاط في المجتمعات العربية كمظهر من مظاهر التبعية للمستعمر. وأمام هذا التيار الجارف للهوية والثقافة نجد الملك عبدالعزيز رحمه الله يسير ببلاده في اتجاه معاكس فيجعل الحكم في دولته مستمد من الشريعة الإسلامية وتصاغ جميع أنظمة الدولة منها، وينشئ مجتمعا مسلما يعتز بانتمائه لدينه، ويفخر بأصالته العربية، ويحافظ على ثوابته وأخلاقياته. فأصبح المجتمع السعودي في المملكة العربية ـ حكومة وشعبا ـ بحق النموذج الأمثل في هذا العصر الذي ظل نقيا بعيدا عن التأثيرات السلبية في الثقافة والأخلاق، ولكن في الوقت نفسه عمل على الأخذ بأسباب الرقي المادي في جميع مناحي الحياة.

نعم لقد كانت سباحة الملك عبدالعزيز المعاكسة للتيار عسيرة ولكنها كانت موفقة ومحمودة سار فيها على نهج المجددين والمصلحين، فرحمه الله رحمة واسعة وأولاده الذين ساروا على نهجه وقضوا نحبهم، وحفظ الله الباقين منهم لمواصلة هذه المسيرة المباركة.

وجدير أن أنهي المقال بالتحذير من تلك الأصوات المغرضة التي تنطلق من الغرب والتي ما فتئت تحاول زحزحة المجتمع السعودي عن ما أكرمه الله به من هذا التميز والخصوصية، مستغلين في ذلك شعارات خادعة كالحرية، وإنصاف المرأة، والوفاء بحقوق الإنسان…. ويكون التحذير أشد حين يتبنى تلك الدعوات رهط من المنتمين للوطن يريدون أن يسبحون سباحة معاكسة غير محمودة لتيار المجتمع الداخلي حكومة وشعبا الذي رضي لنفسه بما هو عليه من تحكيم الشريعة والسير على منهج السلف والتمسك بأخلاق الإسلام وقيمه التي كانت سببا في التآلف والقوة ومنطلقا للرقي والتقدم في مجالات الحياة.

*أستاذ التاريخ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة 

يمكنك الوصول للخبر بسهولة عن طريق الرابط المختصر التالي:
https://alssehafi.org/?p=6156

شاركنا بتعليق








لا يوجد تعليقات بعد



 توفير منتج صحي دون موافقات طبية مسبقة للعلاج في العيادات الخارجية

توفير منتج صحي دون موافقات طبية مسبقة للعلاج في العيادات الخارجية ..... المزيد

 الدكتورة آمنة كاشقري تبرز دور الذكاء الاصطناعي المسؤول في دعم التشخيص الطبي

الدكتورة آمنة كاشقري تبرز دور الذكاء الاصطناعي المسؤول في دعم التشخيص الطبي ..... المزيد

 د. فاطمة الصبحي: إصلاح أخطاء عمليات التجميل بالخارج أصعب من الجراحة الأصلية

د. فاطمة الصبحي: إصلاح أخطاء عمليات التجميل بالخارج أصعب من الجراحة الأصلية ..... المزيد

 تمديد تكليف المطيري مديرا لمستشفي الخاصرة العام

تمديد تكليف المطيري مديرا لمستشفي الخاصرة العام ..... المزيد

 إنفاذ لتوجيه القيادة..البدء في فصل التوأم الصومالي الملتصق “رحمه ورملا” في مستشفى الملك عبدالله التخصصي للأطفال

إنفاذ لتوجيه القيادة..البدء في فصل التوأم الصومالي الملتصق “رحمه ورملا” في مستشفى الملك عبدالله التخصصي للأطفال ..... المزيد

 بأمر ملكي..تحويل المنصة الوطنية للعمل الخيري “إحسان” إلى مؤسسة مستقلة غير ربحية

بأمر ملكي..تحويل المنصة الوطنية للعمل الخيري “إحسان” إلى مؤسسة مستقلة غير ربحية ..... المزيد

 آل حابش يحتفون بالفرح والوفاء في ليلةٍ سعوديةٍ عامرة بالكرم والمحبة

آل حابش يحتفون بالفرح والوفاء في ليلةٍ سعوديةٍ عامرة بالكرم والمحبة ..... المزيد

 الشبل يحصل على الزمالة في الإعلام الرقمي

الشبل يحصل على الزمالة في الإعلام الرقمي ..... المزيد

 الإعلامية فاطمة شلبي تحتفل بحصولها على درجة الدكتوراه الأكاديمية في إدارة الأعمال

الإعلامية فاطمة شلبي تحتفل بحصولها على درجة الدكتوراه الأكاديمية في إدارة الأعمال ..... المزيد

 برعاية شيخ قبيلة بني ظبيان.. اختتام منافسات الألعاب المتنوعة والبادل والطائرة ضمن بطولة الشيخ عثمان بن صقر الرياضية 2026

برعاية شيخ قبيلة بني ظبيان.. اختتام منافسات الألعاب المتنوعة والبادل والطائرة ضمن بطولة الشيخ عثمان بن صقر الرياضية 2026 ..... المزيد

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com