عناوين الأخبار

تغليب الدبلوماسية في مسقط

الثلاثاء 29 شعبان 1447هـ 17-2-2026م       -       17:15:35 م
تغليب الدبلوماسية في مسقط

الدكتور إبراهيم العثيمين

جاءت محادثات مسقط الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة لتفتح نافذة صغيرة وسط جدار سميك من انعدام الثقة. وهذه المحادثات الأولى منذ أحداث يونيو (حزيران) الماضي التي شملت ضربات على مواقع رئيسية للبرنامج النووي الإيراني خلال حرب الـ12 يوماً. وبالتالي فهي اختبار لقدرة الطرفين على العودة إلى طاولة التفاوض بعد عام من التصعيد، سواء الإعلامي أو الاقتصادي أو حتى العسكري. ولا يخفى أن دول المنطقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون، تنظر إلى مسار مسقط باعتباره فرصة حقيقية لخفض منسوب التوتر وإعادة الاستقرار إلى الإقليم. وقد عبّرت دول الخليج بوضوح عن دعمها لجهود الحوار؛ إذ أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أن أي تفاهمات جادة حول الملف النووي الإيراني ستسهم في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها، وهو موقف يعكس رغبة خليجية عامة في تغليب الدبلوماسية على منطق التصعيد.

تابعت من كثب السلوك التفاوضي الإيراني، لا سيما خلال الفترة الممتدة من 2013 إلى 2015، وهي المرحلة التي أفضت إلى توقيع الاتفاق النووي في 2015 بين إيران ومجموعة دول (5+1). ومن خلال تتبع مسار الملف النووي بوصفه حالة تفاوضية نموذجية، يتضح أن هذا المسار مرّ بمرحلتين رئيسيتين. المرحلة الأولى يمكن تسميتها منطق الأمن قبل منطق الدبلوماسية، وهي المرحلة التي تولى فيها المجلس الأعلى للأمن القومي قيادة الملف (خصوصاً 2003-2013)، لم يكن لوزارة الخارجية في تلك الفترة أي دور سوى دور تنفيذي محدود الصلاحيات، بينما كان القرار يُصنع داخل الدوائر الأمنية والسياسية الضيقة داخل المجلس. تميزت هذه المرحلة بصلابة تفاوضية عالية، واستُخدم التفاوض كأداة لإدارة الضغط الدولي أكثر من كونه مساراً للوصول إلى تسوية. برزت ثلاثة وجوه رئيسية قادت التفاوض في تلك المرحلة، الرئيس حسن روحاني الذي كان حينها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ورئيس الفريق التفاوضي، قاد الملف لعامين من 2003-2005، كان براغماتياً ركز على كسب الوقت وإدارة الأزمة بدل التصعيد. ثم جاء علي لاريجاني وسعيد جليلي اللذان قادا الملف من 2005 إلى 2013 بعد وصول الرئيس أحمدي نجاد، وتميزت هذه المرحلة بالتشدد والمواجهة. كانت فترة تحولت فيها المفاوضات إلى منصة خطابية وشعارات. بالمجمل كان الهدف الرئيسي هو حماية البرنامج النووي من التفكيك، وتثبيت أكبر قدر ممكن من المكتسبات التقنية على الأرض، حتى ولو طال أمد المفاوضات لسنوات. مع صعود حكومة الرئيس حسن روحاني عام 2013، التي تميزت بقدرٍ من البراغماتية السياسية، انتقل مركز الثقل في إدارة الملف التفاوضي إلى وزارة الخارجية. وتولى قيادة هذه المرحلة وزير الخارجية محمد جواد ظريف وعباس عراقجي نائب الوزير وكبير المفاوضين الميدانيين، وكانت مدرسة تفاوضية مختلفة، محترفة متعددة الاختصاصات، بأسلوب نوعاً ما مرن يقوم على الصفقات المتبادلة، ويمكن القول إنها اعتمدت الاحتراف القانوني والتقني، والقدرة على صياغة اتفاقات مفصلة قابلة للتنفيذ. وقد توج هذا المسار بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015، في محطة بدت ذروة لهذا النهج التفاوضي. ومع ذلك، لم تمسّ إيران ثوابتها الاستراتيجية، بل أعادت ضبط أسلوب إدارتها للتفاوض بما يتناسب مع السياق الدولي آنذاك. أما القرار النهائي، فظل في جوهره قراراً سيادياً مركزياً، حتى وإن بدا في الظاهر أن وزارة الخارجية هي من تقود المشهد التفاوضي.

استمر محمد جواد ظريف بين عامي 2015 و2021 في قيادة الجهد السياسي الإيراني لحماية الاتفاق النووي بعد توقيعه، فيما ظلّ عباس عراقجي يدير الجانب الفني والقانوني بوصفه كبير المفاوضين. ومع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، انتقل تركيز الفريق الإيراني إلى محاولة الإبقاء على الاتفاق قائماً عبر التنسيق المكثف مع الأطراف الأوروبية، والبحث عن آليات اقتصادية بديلة لتخفيف أثر العقوبات. وفي الوقت نفسه، تبنّت طهران سياسة «التصعيد المرحلي المحسوب»، من خلال تقليص تدريجي لالتزاماتها النووية بهدف ممارسة ضغط تفاوضي على واشنطن، مع الحرص على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة ومنع انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل. وفي الفترة من 2021 إلى 2024، تولّى علي باقري كني قيادة المفاوضات، وهو أحد رموز التيار المحافظ وكان مساعداً لكبير المفاوضين السابق سعيد جليلي. واتسمت هذه المرحلة بنبرة أكثر تشدداً، حيث أصرّ الفريق الإيراني على الحصول على ضمانات تمنع تكرار الانسحاب الأميركي، وربط أي التزام نووي برفع فوري وملموس للعقوبات. وبذلك عادت مقاربة «التنازل البطيء المشروط» لتصبح السمة الأبرز في الأداء التفاوضي الإيراني خلال تلك المرحلة.

لكن لعلي أستطرد هنا بأنه على الرغم من تغير الأدوار بين مرحلتي الأمن القومي ووزارة الخارجية، فإن بنية التفاوض الإيراني تظل ثابتة في جوهرها؛ إذ إن عملية القرار معقدة ومتشابكة. فالفريق لا يعمل كجسم أو كيان منفصل، بل كجزء من منظومة قرار متعددة المستويات، تبدأ بتحديد التوجيهات والخطوط الحمراء ورسم سقف التنازلات الممكنة في الدوائر السياسية العليا، ثم تنتقل إلى طبقة الإدارة التفاوضية التي تقودها وزارة الخارجية أو المجلس الأعلى للأمن القومي، حسب طبيعة المرحلة. يلي ذلك عمل فرق فنية وقانونية واقتصادية تتولى صياغة التفاصيل الدقيقة للاتفاقات، قبل أن تدار الرواية إعلامياً بما يخدم الموقف الداخلي والخارجي. وبهذا المعنى، فإن المفاوض الإيراني مهما بدا واثقاً ومتمكناً وقوياً على الطاولة، يظل مقيداً بتفويض محدود ولا يملك تفويضاً مطلقاً، بل يتحرك ضمن هامش مرسوم بدقة ويعود باستمرار إلى مرجعياته السياسية قبل الإقدام على أي خطوة جوهرية، وهو ما يفسر البطء النسبي في اتخاذ القرارات الكبرى والحرص الدائم على التدرج في تقديم التنازلات.

وبالتالي فإن محاولة فهم السياق التاريخي والمؤسسي للعملية التفاوضية الإيرانية، يمكن من خلالها قراءة ما جرى في مسقط بصورة أكثر وضوحاً. فقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي للمحادثات تعني أن الملف ما زال يدار من الخارجية وأن طهران اختارت واجهة دبلوماسية محترفة قادرة على إدارة نقاش تقني وقانوني معقد، مستفيدة من خبرته كأحد مهندسي اتفاق 2015. غير أن تركيبة الوفد المرافق، بوجود مجيد تخت روانجي للشق السياسي، وكاظم غريب آبادي للشؤون القانونية والدولية، ومسؤولين معنيين بالدبلوماسية الاقتصادية، تكشف أن المفاوضات تُدار وفق مقاربة متعددة الأبعاد هدفها الأساسي تخفيف العقوبات مقابل التزامات نووية محسوبة. وفي موازاة ذلك فإن التحركات التي قادها علي لاريجاني سواء زيارته إلى مسقط ثم انتقاله مباشرة إلى الدوحة، ولقاؤه القيادات العُمانية والقطرية، تشير إلى أن المسار الأمني حاضر بقوة إلى جانب المسار الدبلوماسي. فبينما يقود عراقجي التفاوض التقني على الطاولة، تتولى القناة الأمنية اختبار حدود الممكن، وتهيئة البيئة الإقليمية، وضبط سقف القرار داخل طهران. ويعني ذلك عملياً أن إيران تُدير التفاوض على مستويين متزامنين: مستوى تفاوضي يحافظ على الطابع النووي الضيق، ومستوى أمني يضمن ألّا تنزلق الجولة إلى صفقة واسعة تتجاوز ما تريده طهران في هذه المرحلة.

لكنني أعتقد أن أسلوب التفاوض الإيراني سواء في نسخته الأمنية أو في واجهته الدبلوماسية القائمة في مجملها على إطالة المفاوضات وإدارة عامل الزمن، قد لا يكون مناسباً لهذه المرحلة، في ظل إدارة أميركية لا تبدو مستعدة لمسار طويل بلا سقف واضح، مع بقاء الخيار العسكري حاضراً في الخلفية. وفي المقابل، تمتلك إيران فرصة نادرة مع الدعم الخليجي والانفتاح الدولي على الحلول الدبلوماسية، غير أن استغلالها يتطلب انتقالاً حقيقياً من سياسة المماطلة إلى حسمٍ مسؤولٍ للملفات العالقة التي تؤرق المجتمع الدولي، بوصف هذا الخيار هو الخيار الأكثر حكمة ويسهم في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها.

*نقلاً عن الشرق الأوسط.

يمكنك الوصول للخبر بسهولة عن طريق الرابط المختصر التالي:
https://alssehafi.org/?p=46750

شاركنا بتعليق








لا يوجد تعليقات بعد



 تحت رعاية ولي العهد..انطلاق النسخة الرابعة من قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية سبتمبر 2026

تحت رعاية ولي العهد..انطلاق النسخة الرابعة من قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية سبتمبر 2026 ..... المزيد

 مع تراجع المواليد .. براشا : “تجميد البويضات” حل صحي يواكب زمن المتغيرات ويعزز التوازن السكاني المستدام

مع تراجع المواليد .. براشا : “تجميد البويضات” حل صحي يواكب زمن المتغيرات ويعزز التوازن السكاني المستدام ..... المزيد

 أمانة جدة تستضيف ركنًا توعويًا بالشراكة مع مجمع إرادة بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات

أمانة جدة تستضيف ركنًا توعويًا بالشراكة مع مجمع إرادة بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات ..... المزيد

 وزير الصحة يدشن مشروع الروبوت الجراحي في مدينة الملك عبدالله الطبية في مكة المكرمة

وزير الصحة يدشن مشروع الروبوت الجراحي في مدينة الملك عبدالله الطبية في مكة المكرمة ..... المزيد

 إنفاذاً لتوجيهات الملك وولي العهد..وصول التوأم السيامي الصومالي إلى الرياض لدراسة امكانية فصلهما

إنفاذاً لتوجيهات الملك وولي العهد..وصول التوأم السيامي الصومالي إلى الرياض لدراسة امكانية فصلهما ..... المزيد

 تغليب الدبلوماسية في مسقط

تغليب الدبلوماسية في مسقط

الدكتور إبراهيم العثيمين
 العلامة الشخصية

العلامة الشخصية

عبدالله مغرم
 أهم الاستثمارات

أهم الاستثمارات

عبدالله عبدالكريم السعدون
 أبوظبي والاستثمار في الفوضى

أبوظبي والاستثمار في الفوضى

عبداللطيف آل الشيخ
 بموافقة خادم الحرمين الشريفين..انطلاق الحملة الوطنية للعمل الخيري 3 رمضان عبر منصة”أحسان”

بموافقة خادم الحرمين الشريفين..انطلاق الحملة الوطنية للعمل الخيري 3 رمضان عبر منصة”أحسان” ..... المزيد

 جمعية هدى بشرق مكة تُتم استعداداتها لانطلاق اختبارات القرآن السنوية لـ 200 طالب بشرق مكة وضواحيها

جمعية هدى بشرق مكة تُتم استعداداتها لانطلاق اختبارات القرآن السنوية لـ 200 طالب بشرق مكة وضواحيها ..... المزيد

 سفراء الشبابية تحتفل بالاكاديميات الرياضية

سفراء الشبابية تحتفل بالاكاديميات الرياضية ..... المزيد

 سمو الأمير سعد آل سعود يحيي ليلة شعرية في الهيئة الملكية بينبع

سمو الأمير سعد آل سعود يحيي ليلة شعرية في الهيئة الملكية بينبع ..... المزيد

 المسؤولية الاجتماعية بنادي الاتحاد تستقبل ” قطرة عطاء “

المسؤولية الاجتماعية بنادي الاتحاد تستقبل ” قطرة عطاء “ ..... المزيد

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com