بين تضخم الدرجات وتعثر الأنظمة.. أين تقف جودة التعليم؟
سلطان السلطان
مع نهاية كل فصل دراسي تتجدد الأسئلة ذاتها حول مدى انعكاس نتائج الطلاب على مستواهم الحقيقي، في ظل ما يلاحظه كثير من المتابعين من ارتفاع ملحوظ في المعدلات والدرجات مقابل مؤشرات ومخرجات تعليمية لا تبدو بالقدر ذاته من الارتفاع، هذه الفجوة تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول العلاقة بين التقييم الأكاديمي الفعلي وبين الأرقام التي تظهر في كشوفات النتائج! فالدرجات المرتفعة في حد ذاتها ليست مشكلة، بل هي مؤشر إيجابي عندما تكون انعكاسًا حقيقيًا لمهارات ومعارف اكتسبها الطالب، غير أن الإشكال يظهر عندما تصبح الأرقام أعلى من مستوى المخرجات التعليمية، أو عندما يواجه بعض الطلاب صعوبات في المهارات الأساسية رغم حصولهم على نتائج مرتفعة، الأمر الذي يدفع المختصين إلى التساؤل عن أدوات القياس والتقويم ومدى قدرتها على عكس الواقع بدقة.
ولا تتوقف آثار تضخم الدرجات عند حدود النتائج المدرسية فقط، بل تمتد إلى سلوك الطالب ودافعيته نحو التعلم، فعندما يدرك الطالب أن حصوله على درجة مرتفعة أو شبه كاملة أمر متوقع بغض النظر عن حجم الجهد المبذول، فإنه قد لا يرى حاجة حقيقية إلى مضاعفة الاستعداد للاختبارات أو تطوير مستواه العلمي بالشكل المطلوب، ومع مرور الوقت، قد يعتاد بعض الطلاب على تحقيق نتائج عالية لا تعكس بالضرورة مستوى التحصيل الفعلي، مما يقلل من أهمية المنافسة الأكاديمية الجادة ويضعف الرغبة في تطوير المهارات والمعارف الأساسية.
وتبرز هذه الإشكالية بصورة أكبر عند انتقال الطالب إلى مراحل تعليمية أعلى، خصوصًا المرحلة الجامعية، حيث تختلف معايير التقييم وترتفع متطلبات الدراسة والبحث والتحليل والاستقلالية في التعلم. حينها قد يصطدم بعض الطلاب بواقع أكاديمي جديد لا تكفي فيه الدرجات السابقة لضمان النجاح! بل يتطلب مهارات حقيقية في الفهم والاستيعاب وإدارة الوقت والاجتهاد المستمر، هنا تظهر الفجوة بين ما تعكسه السجلات الدراسية من أرقام مرتفعة وبين ما يمتلكه الطالب فعليًا من أدوات تمكنه من مواصلة مسيرته التعليمية بنجاح.
وفي جانب آخر لا يقل أهمية، يواجه الميدان التربوي تحديات تقنية متكررة خلال الفترات الأكثر حساسية في العام الدراسي، وتحديدًا عند رصد الدرجات وإغلاق الأعمال. ففي الوقت الذي تُطالب فيه إدارات المدارس المعلمين والمعلمات بسرعة إنجاز المهام المرتبطة بالنتائج، قد يشهد النظام الإلكتروني ضغطًا كبيرًا يؤدي إلى بطء الخدمة أو تعذر الدخول إلى الحسابات.
وتزداد حدة المشكلة عندما يجد المعلم و المعلمة نفسيهما أمام مواعيد زمنية محددة لإنهاء أعمال الرصد والتدقيق وإغلاق الدرجات، بينما يرفض النظام تسجيل الدخول أو تتعطل بعض الخدمات الأساسية، وفي كثير من الأحيان يكون الخلل خارج نطاق المدرسة والمعلم، ويعود إلى الضغط الكبير على الخوادم أو إلى أسباب تقنية لدى الجهة المشغلة للنظام، إلا أن ذلك لا يمنع استمرار المطالبات بسرعة الإنجاز، الأمر الذي يضع العاملين في الميدان التربوي تحت ضغط متزايد بين مسؤولية التنفيذ وصعوبة الوصول إلى الأداة التي يفترض أن تنجز من خلالها هذه الأعمال.
وعند النظر إلى عدد من المنصات الحكومية الأخرى، نجد نماذج ناجحة استطاعت استيعاب ملايين المستخدمين وتقديم خدمات متعددة من خلال واجهات موحدة أو مترابطة، مثل أبشر وتوكلنا ونفاذ – على سبيل المثال لا الحصر- من هنا يبرز تساؤل مشروع حول أسباب استمرار تشتت الخدمات التعليمية بين أنظمة متعددة، وفي مقدمتها نظامي نور وفارس، وما إذا كان الوقت قد حان لدراسة دمج هذه الخدمات في منصة تعليمية موحدة أو على الأقل رفع مستوى التكامل بينها.
فالمعلم والمعلمة لا يواجهان تحدي إنجاز الأعمال فحسب، بل يواجهان أحيانًا تحدي معرفة المنصة التي ينبغي الرجوع إليها أصلًا لإتمام إجراء معين أو الحصول على خدمة محددة، فمع تعدد الأنظمة وتوزع الخدمات بينها، يصبح العمل أكثر تعقيدًا ويزداد الهدر في الوقت والجهد، حتى إن بعض المستخدمين قد يجدون أنفسهم أمام وفرة من المنصات دون وضوح كافٍ في مسارات العمل، ولعل خير ما يصف هذا الواقع قول العرب: «كثر الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد»، في إشارة إلى كثرة الخيارات وتداخلها بصورة تجعل الوصول إلى المقصود أكثر صعوبة بدلًا من أن يكون أكثر يسرًا.
ولا تقتصر الآثار على تأخير إدخال الدرجات فحسب، بل تمتد إلى تعطيل إجراءات المراجعة والتدقيق وإصدار النتائج والتقارير، ما يضع المدارس أمام سباق مع الزمن لإنجاز أعمال ترتبط بحقوق الطلاب وأولياء الأمور.
كما أن تكرار مثل هذه المشاهد يثير تساؤلات حول جاهزية الأنظمة الرقمية للتعامل مع أوقات الذروة التي يمكن التنبؤ بها مسبقًا، خصوصًا أن مواسم الرصد وإعلان النتائج تتكرر في مواعيد معلومة كل عام.
إن تطوير التعليم لا يقاس فقط بارتفاع نسب النجاح أو بالتحول الرقمي، بل بمدى موثوقية أدوات القياس، وكفاءة الأنظمة التقنية، وقدرتها على خدمة الميدان التربوي في الأوقات الحرجة، فالمعلمون والمعلمات بحاجة إلى بيئة عمل مستقرة تمكنهم من أداء مهامهم بكفاءة، كما أن المجتمع بحاجة إلى مؤشرات تعليمية تعكس الواقع بدقة بعيدًا عن أي تضخم في الأرقام أو تعثر في الإجراءات.
ويبقى الهدف الأسمى هو الوصول إلى منظومة تعليمية تتوازن فيها جودة المخرجات مع عدالة التقييم، وتتكامل فيها الجهود البشرية مع البنية التقنية، بحيث تكون النتائج النهائية انعكاسًا حقيقيًا لما تعلمه الطالب، لا مجرد أرقام تُسجل في نهاية الفصل الدراسي، ولا إجراءات تتعثر كلما بلغت الحاجة إليها ذروتها.
S_alsultan3@
تمديد تكليف المطيري مديرا لمستشفي الخاصرة العام ..... المزيد
إنفاذ لتوجيه القيادة..البدء في فصل التوأم الصومالي الملتصق “رحمه ورملا” في مستشفى الملك عبدالله التخصصي للأطفال ..... المزيد
تحت رعاية ولي العهد..انطلاق النسخة الرابعة من قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية سبتمبر 2026 ..... المزيد
مع تراجع المواليد .. براشا : “تجميد البويضات” حل صحي يواكب زمن المتغيرات ويعزز التوازن السكاني المستدام ..... المزيد
أمانة جدة تستضيف ركنًا توعويًا بالشراكة مع مجمع إرادة بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات ..... المزيد
بين تضخم الدرجات وتعثر الأنظمة.. أين تقف جودة التعليم؟
سلطان السلطاندروس وعبر من الحرب الأمريكية الإسرائلية مع إيران
الدكتور منصور بن محمد الزيرالمتحمي ينال درجة الماجستير في إدارة الخدمات الصحية والمستشفيات من أكاديمية السادات في القاهرة ..... المزيد
جمعية ” مكارم” الخير توقع عقد شراكة مع نادي الاتحاد ..... المزيد
معاناة مستمرة في حي “النور 6ج س” بجدة: غياب الخدمات الأساسية يثير استياء السكان ..... المزيد
بناءً على ماعرضه ولي العهد..خادم الحرمين الشريفين يوجّه بصرف أكثر من ٣ مليارات ريال معونة رمضان لمستفيدي الضمان الاجتماعي ..... المزيد
بموافقة خادم الحرمين الشريفين..انطلاق الحملة الوطنية للعمل الخيري 3 رمضان عبر منصة”أحسان” ..... المزيد





















شاركنا بتعليق
لا يوجد تعليقات بعد