بلجرشي.. حين تتغير أسماء المتنزهات ولا يتغير واقعها!
سلطان السلطان
حين نتحدث عن محافظة بلجرشي، فإننا لا نتحدث عن محافظة عابرة في خارطة منطقة الباحة، بل عن واحدة من أهم الوجهات التي يمكن أن تكون مقصدًا سياحيًا واستثمارًا حقيقيًا في السياحة الجبلية، بما تملكه من طبيعة خلابة، وموقع جغرافي، وأجواء صيفية جاذبة، ومتنزهات ومساحات قادرة – متى ما وجدت العناية والتطوير – على أن تكون من أبرز عوامل الجذب للزائر والمصطاف.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما تقدمه بعض متنزهات بلجرشي يوازي ما تملكه المحافظة من مقومات؟
للأسف، يبدو أن الإجابة ليست كما نتمنى.
فالزائر لا يبحث عن الطبيعة وحدها، ولا تكفيه الجبال والأشجار والضباب؛ بل يريد منظومة متكاملة من الخدمات، تبدأ من الطريق والمدخل، مرورًا بالمواقف والجلسات والمرافق العامة، وانتهاءً بالألعاب والمطاعم والمقاهي والفعاليات والمساحات التي تمنح العائلة تجربة تستحق أن تتكرر.
القمم.. اسم جديد وواقع قديم!
لنأخذ منتزه القمع سابقًا، الذي تغير اسمه إلى «القمم».
تغيير الاسم في حد ذاته ليس المشكلة، وإنما المشكلة أن يتغير الاسم بينما يبقى الواقع كما هو، بل يبدو للزائر أن المكان فقد الكثير مما كان يميزه في سنوات مضت.
هذا المتنزه كان يملك مساحات وإمكانات تؤهله لأن يكون واحدًا من أهم المتنزهات في المحافظة، بل إن مشروع التلفريك كان في وقت من الأوقات عنوانًا بارزًا للمكان، ومصدر جذب للزوار، وفكرة سياحية متقدمة بالنسبة للمنطقة.
لكن المشروع لم يستمر طويلًا، وبقيت آثاره شاهدة على تجربة كان يمكن أن تكون أكثر نجاحًا واستدامة.
واليوم، من المؤلم أن يرى من عرف المكان في السابق كيف تبدلت الصورة؛ فالمتنزه الذي كان يشهد حركة وزوارًا، ويصعب فيه أحيانًا أن يجد الزائر موضعًا لسيارته، أصبح – بحسب ما يراه زواره – أقل حضورًا وحيوية، حتى بات البعض يمر بالمكان بدلًا من أن يقصده، ويحكي لأطفاله عن زمن كان فيه هذا المتنزه مقصدًا للعائلات.
والأشد إيلامًا أن بعض المواقع والمساحات أصبحت تفتقر إلى العناية التي تليق بمكان يفترض أن يكون واجهة سياحية للمحافظة.
فهل يعقل أن تكون لدينا هذه المساحات الطبيعية، ثم نتركها تفقد قيمتها السياحية عامًا بعد آخر؟
الوادي.. مدخل كان يمكن أن يكون أجمل
وإذا انتقلنا إلى منتزه السكران سابقًا، الذي أصبح اسمه «الوادي»، فإن المشهد عند المدخل تحديدًا يستحق وقفة أخرى.
فالمساحات الأمامية للمتنزه كان يمكن أن تتحول إلى واجهة سياحية جميلة: حدائق، وتشجير، ومسطحات خضراء، وجلسات عائلية، وألعاب أطفال بمختلف أشكالها وألوانها، ومواقع للفعاليات والمناسبات الموسمية.
لكن أن تتحول هذه المساحات إلى ميادين للدبابات، فهذا لا يعكس – في تقديري – الصورة التي ينبغي أن يكون عليها مدخل متنزه يستقبل العائلات والمصطافين.
فالمدخل هو أول انطباع.
وإذا أردنا أن يكون «الوادي» في طليعة متنزهات بلجرشي والمنطقة، فإن البداية الحقيقية يجب أن تكون من مدخله؛ لأن الاستثمار في الواجهة ليس ترفًا، بل جزء أساسي من صناعة التجربة السياحية.
والمتنزه الوطني.. هل اكتملت الصورة؟
أما المتنزه الوطني، ورغم ما يملكه من موقع وإمكانات طبيعية، فإنه لا يبدو – حتى الآن – بالوجه الذي يجعل منه الخيار الأول لدى كثير من الزوار.
الموقع الجبلي له جماله، لكنه يحتاج إلى خدمات تكمل هذا الجمال؛ جلسات عائلية كافية، وألعاب للأطفال، ومرافق مناسبة، ومساحات ترفيهية تجعل العائلة قادرة على قضاء ساعات ممتعة دون أن تضطر إلى مغادرة المكان بحثًا عن احتياجاتها.
ولعل الممشى الموجود في المدخل، وما يجاوره من خدمات للمأكل والمشرب، يمثلان جانبًا إيجابيًا، لكن السؤال يبقى:
هل هذا كافٍ ليكون المتنزه الوطني مقصدًا سياحيًا رئيسًا؟
أم أننا بحاجة إلى رؤية أشمل تجعل المتنزه تجربة متكاملة، لا مجرد مساحة طبيعية يمر بها الزائر؟
أين الجهات المعنية؟
هنا أصل إلى السؤال الأهم.
أين دور محافظة بلجرشي؟
وأين دور الجهات البلدية والخدمية المعنية بتطوير هذه المواقع والعناية بها؟
وأين الدور المنتظر من المكتب الاستراتيجي لتطوير منطقة الباحة في رسم رؤية متكاملة للمتنزهات والمواقع السياحية في المحافظة؟
وأين رجال الأعمال وأعيان المحافظة ورجالاتها الذين يفترض أن يكون لهم صوت ومبادرة ومشاركة في صناعة مستقبل بلجرشي السياحي؟
بل إن السؤال يمتد إلى شيخ قبيلة بلجرشي: ما الدور الذي يمكن أن يؤديه في المطالبة بتطوير المحافظة وخدمة أهلها وزوارها، والمشاركة في إيصال صوت المجتمع إلى الجهات ذات العلاقة؟
لا أطرح هذه الأسئلة بحثًا عن شخص بعينه لتحميله المسؤولية، وإنما لأن السياحة مسؤولية مشتركة، والنتيجة النهائية لا تصنعها جهة واحدة.
لماذا لا تكون بلجرشي وجهة بذاتها؟
المؤسف أن بلجرشي، بما تملكه من مقومات، ما زالت عند كثير من الزوار محطة مرور أكثر منها وجهة مقصودة بذاتها.
وهذا أمر يحتاج إلى مراجعة جادة.
فالزائر الذي يأتي إلى منطقة الباحة يجب أن يجد في بلجرشي ما يدفعه إلى تخصيص يوم أو يومين أو أكثر لزيارتها، لا أن تكون مجرد طريق يعبر من خلاله إلى وجهة أخرى.
وإذا كان لدينا هذا الكم من المقومات الطبيعية والمساحات والمتنزهات، فإن المطلوب هو تحويلها إلى منتج سياحي متكامل.
منتزهات نظيفة ومهيأة- جلسات عائلية- ألعاب أطفال- ممرات ومماشي- مساحات خضراء- مطاعم ومقاهٍ- فعاليات موسمية- مواقف منظمة- إضاءة وتشجير- لوحات إرشادية- مرافق عامة، وأهم من ذلك كله: الصيانة والاستدامة.
فالتطوير الحقيقي ليس أن نفتتح مشروعًا ثم نتركه بعد سنوات، وإنما أن تكون هناك منظومة مستمرة للصيانة والتجديد والتشغيل.
لا نريد أسماء جديدة.. نريد واقعًا جديدًا
تغيير اسم «القمع» إلى «القمم»، و«السكران» إلى «الوادي»، قد يكون جزءًا من رؤية تطويرية، ولا اعتراض على تغيير المسميات متى كان وراءها مشروع حقيقي.
لكن ما نريده هو أن تتغير الصورة قبل الاسم، والمضمون قبل العنوان.
فالزائر لا يعنيه كثيرًا ماذا يسمى المتنزه بقدر ما يعنيه: ماذا سيجد عندما يصل إليه؟
وهل سيجد مكانًا يستحق أن يعود إليه؟
وهل سيخرج منه وهو يقول لأصدقائه وأسرته: اذهبوا إلى هناك، فالمكان يستحق؟
هذه هي المعادلة التي يجب أن ننظر إليها.
بلجرشي لا ينقصها الجمال، وإنما تحتاج إلى من يحسن استثمار هذا الجمال.
ولا ينقصها الموقع، وإنما تحتاج إلى رؤية تجعل الموقع ميزة سياحية حقيقية.
ولا تنقصها المساحات، وإنما تحتاج إلى تطوير هذه المساحات وتشغيلها واستدامتها.
ولذلك فإن الحديث عن ضعف بعض الخدمات ليس انتقاصًا من المحافظة، بل هو محبة لها وحرص على أن تكون أفضل.
والأمل أن تصل هذه الرسالة إلى من يستطيع أن يصنع فرقًا، وأن تتحول هذه الملاحظات إلى طاولة عمل، لا إلى مجرد حديث عابر.
نريد أن يأتي المصطاف إلى بلجرشي فيجد ما يريده.
ونريد أن يأتي المقيم فيها ليجد متنفسًا يليق به وبأسرته.
ونريد أن يصبح السائح الذي يزور منطقة الباحة يقول:
«لن تكتمل زيارتي للمنطقة دون أن أمر ببلجرشي وأقضي فيها وقتًا.»
فهل نرى قريبًا متنزهات القمم والوادي والمتنزه الوطني وغيرها من المواقع في بلجرشي بصورة تليق بالمحافظة؟
هذا ما نأمله.. وهذا ما تستحقه بلجرشي.
سلطانيات:
ليست المشكلة أن تتغير أسماء المتنزهات، وإنما المشكلة أن تبقى الذاكرة أجمل من الواقع.
بلجرشي لا تريد فتات المشاريع، ولا تبحث عن منافسة أحد؛ بل تريد نصيبها العادل من التنمية والتطوير، بما يتناسب مع مكانتها ومقوماتها.
وإذا كان هناك اتجاه تنموي أو سياحي يركز بصورة أكبر على جهة بعينها، فإن المطلوب هو أن تمتد خريطة التنمية إلى جميع أرجاء المحافظة، وأن يشعر المواطن والمقيم والزائر بأن بلجرشي كلها مشمولة بالرؤية، وليست مجرد ممر إلى وجهات أخرى.
بلجرشي تستحق أن تكون وجهة.. لا محطة عبور.
S_alsultan3@
الدكتورة آمنة كاشقري تبرز دور الذكاء الاصطناعي المسؤول في دعم التشخيص الطبي ..... المزيد
د. فاطمة الصبحي: إصلاح أخطاء عمليات التجميل بالخارج أصعب من الجراحة الأصلية ..... المزيد
تمديد تكليف المطيري مديرا لمستشفي الخاصرة العام ..... المزيد
إنفاذ لتوجيه القيادة..البدء في فصل التوأم الصومالي الملتصق “رحمه ورملا” في مستشفى الملك عبدالله التخصصي للأطفال ..... المزيد
تحت رعاية ولي العهد..انطلاق النسخة الرابعة من قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية سبتمبر 2026 ..... المزيد
بلجرشي.. حين تتغير أسماء المتنزهات ولا يتغير واقعها!
سلطان السلطانسبع سنوات عجاف… وحصاد من الخيبات!
سلطان السلطانالشبل يحصل على الزمالة في الإعلام الرقمي ..... المزيد
الإعلامية فاطمة شلبي تحتفل بحصولها على درجة الدكتوراه الأكاديمية في إدارة الأعمال ..... المزيد
برعاية شيخ قبيلة بني ظبيان.. اختتام منافسات الألعاب المتنوعة والبادل والطائرة ضمن بطولة الشيخ عثمان بن صقر الرياضية 2026 ..... المزيد
بطولة الشيخ عثمان بن صقر والنشاط الثقافي ..... المزيد
الدكتوراة للشهري في علم الاجتماع ..... المزيد



















شاركنا بتعليق
لا يوجد تعليقات بعد